قصة نجاح الرئيس أنور السادات



لم يكن أنور السادات شخصية عادية بكل المقاييس. فهو نموذج مميز للشخصية الاستثنائية حتى وصف بالأسطورة حينا و اللغز في أحيان أخرى كيف بدأت رحلة هذا الرجل من قرية صغيرة من الريف المصري وهي قرية ميت أبو الكوم إلى قصر الرئاسة. لقد تحدث السادات عن ذالك في كتابه البحث عن الذات تحدث عن نشأته في القرية وعن تأثره البالغ بشخصية الجدة التي يقول عنها بأنها كانت ذات شخصية قوية وأنها كانت تفرض الاحترام حتى على الرجال الذين يقفون لتحيتها كلما مرت بمجلسهم.

  • من القرية إلى القاهرة

كما تأثر السادات بقصة بطل دنشواي الفتى زهران والذي أعدمه الإنجليز  أمام أهل القرية. كان السادات في طفولته يحب الاستماع إلى هذه القصة وقد رسخت صورة هذا البطل في عقله الباطن حتى وفاته. انتقل السادات من القرية إلى القاهرة ليعيش مع أسرته كبيرة العدد في شقة صغيرة القريبة من حدائق القبة أين كان يقيم الملك فؤاد . كان الفتى أنور السادات يمر في طريقه إلى المدرسة بهذا القصر وهو لا يعلم بأنه سوف يجلس على نفس الكرسي الذي يجلس عليه الملك فؤاد ثم الملك فاروق من بعد.

  • تأثر السادات بالزعيم الهندي غاندي و النازي هتلر


 كان السادات يصف هذه المرحلة في كتابه البحث عن الذات متحدثا عن الفوارق الاجتماعية بينه وبين أبناء فصله من الطبقة الراقية إذ كان أبناء تلك الطبقة يأتون المدرسة في سيارات فاخرة بينما كان السادات يمشي العديد من الأميال سيرا على الأقدام و كان زملائه يرتدون في كل يوم بدلة جديدة في حين كان السادات يمتلك بدلة واحدة فقط ولكن ذلك لم يشعره قط بالنقص بل كان دافعا وراء عزمه وإصراره .في تلك المرحلة أي في ثلاثينات القرن الماضي تأثر السادات بكل من الزعيم الهندي غاندي و النازي هتلر و سعى وهو صبي إلى تقليدهما حيث دعي الصبية من أهل القرية بالزحف إلى القاهرة كما فعل هتلر عندما قاد زحفا نحو برلين و سعى كذلك إلى تقليد غاندي عندما خلع قميصه في الشتاء البارد وصعد ليجلس فوق السطح كما كان يفعل ملهمه العظيم غاندي ولم ينتهي عن ذاك إلا عندما أقنعه والده بالعدول عن فكرتها خلال هذه المرحلة بدأت تتشكل ملامح شخصية السادات .

  • الالتحاق بالجيش

وقعت مصر مع بريطانيا معاهدة تسمح بزيادة عدد الجيش المصري مما مكن أبناء الطبقة الوسطى و الفقيرة هن الالتحاق بالجيش  فكان السادات أحد هؤلاء المنتفعين بهذا الإجراء.  ليدخل الكلية الحربية و يتخرج منها برتبة ملازم وتتحقق أحلامه في أن يكون عسكريا.فقد استهوته  شخصية كمال أتا تورك وكذلك فكرة الدولة العسكرية. تزوج السادات بعد ذلك من السيدة إقبال وأنجب ثلاثة بنات. في تلك المرحلة اندلعت الحرب العالمية الثانية وكان الموقف في مصر منقسما بين الولاء لبريطانيا وحلفائها و بين الوقوف إلى جانب المحور بزعامة ألمانيا. كان السادات في تلك المرحلة يرى نفسه زهران ذالك الفتى الوطني و الشجاع الذي أعدمه الإنجليز. كره السادات الاحتلال ورأى في مساندة الألمان تخليص لمصر من الاحتلال فعمد إلى التعامل مع جاسوسين ألمان تعرف إليهما من خلال صديقه الطيار حسن عزت الذي طلب منه إصلاح جهاز لاسلكي بوصف السادات كان ضابط إشارة. 

  •  الزنزانة 54

في هذه الحادثة قبض على السادات وألقى به في السجن . ثم جرد من رتبته العسكرية ولكن السادات استطاع الهروب والاختفاء لمدة حتى سقوط الحكم .عاش السادات في تلك الفترة ظروفا قاسية بعد فقدانه لوظيفته. ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة العمل الوطني والسعي إلى النجاح في ذلك . في تلك الأثناء ازداد الموقف تعقيدا عندما وقع اغتيال أمين عثمان باشا وزير المالية في حكومة الوفد ،بسبب تعاونه مع الاحتلال .اتهمت النيابية العامة أنور السادات بالاشتراك في هذه العملية و ألقى به من جديد في السجن حيث قضى في الزنزانة 54 أكثر من سنتين ليلقى في ذلك المكان أشد الظروف قسوة ولكن السادات نجح في استثمار تلك الظروف ليعيد قراءة ما يقوم به ليعمق ثقافته و إطلاعه كانت تلك الزنزانة الشهيرة نقطة تحول  في حياة أنور السادات وعاملا محفزا في طريقه إلى النجاح.
أصدرت المحكمة في النهاية حكما يقضب ببراءة أنور السادات ليخرج من السجن ويجد في انتظاره صديقه الطيار حسن عزت 
ذهب السادات مع صديقه إلى منزله فتعرف هناك على جهان صفوت رؤوف قريبة حسن عزت وزوجة السادات الثانية والتي ستقوم فيما بعد بدور سيدة مصر الأولى ...

  • الحيلة و الدهاء

أقنع السادات والد زوجته بأنه سوف ينأى بنفسه بعيدا عن السياسة وقطع على نفسه وعدا بذلك ولكن تجري الأحداث عكس ذلك لأن السادات سوف يلتقي مجددا بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وينظم إلى تنظيم الضباط الأحرار ويصبح عضوا بارزا فيه.كانت مصر في تلك المرحلة تعيش أزمة كبيرة في ظل حكم الملك فاروق تمثلت في هزيمة حرب فلسطين وقضية الأسلحة الفاسدة وكذلك صراع الأحزاب وانتشار الرشوة والفساد. كل هذه العوامل كان لها تأثيرها على الجيش وخاصة الضباط الأحرار فقامت ثورة يوليو 1952 وقد كان محمد أنور السادات أول المبشرين بها عندما قرأ البيان للشعب. وهكذا تشهد مصر تغيرا كاملا وعميقا أما السادات فكان أحد أعمدة ذلك التغيير .ولكن دوره لم يحن بعد ليصنع الأحداث لأن عبد الناصر في تلك الفترة كان قد ملأ الدنيا و شغل الناس لقد تم الجلاء واستعادت مصر قناة السويس فكانت حرب 56 والصراع مع الإخوان المسلمين ثم حرب اليمن ثم الوحدة و الانفصال مع سوريا لنصل إلى حرب 1967 والهزيمة أمام إسرائيل واحتلال شبه جزيرة سيناء انتهى دور عبد الناصر بوفاته سنة 1970 ليبدأ السادات طريقه نحو تحرير الأرض و إحلال السلام.مات عبد الناصر ليتولى الرئاسة من بعده أنور السادات نجح السادات في القضاء على مراكز القوى وهي العناصر التي ترتدي قميص عبد الناصر في الحكم . نجح السادات في ذالك مستعملا الحيلة و الدهاء. 

  • السادس من أكتوبر سنة 1973

لقد ترك عبد الناصر إرثا ثقيلا وهزيمة كبرى كان على السادات تجاوز تلك الصعاب و استرجاع الأرض ولكن الأمر لم يكن هينا لأن إسرائيل قامت ببناء خط برليف ألذي لا يمكن تجاوزه بكل المقاييس حتى لو اجتمع لذلك سلاح المهندسين الأمريكي و السوفييتي في وقت واحد. زد على ذلك الموقف الداخلي الذي يضغط على السادات للقيام بالحرب لكن الرجل كان قد فهم بأن كل أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة و أن أي عمل عسكري في الوقت الراهن قد يؤدي إلى هزيمة أسوأ من هزيمة1967 لجأ السادات إلى الخداع الإستراتيجي حتى بتمكن من كسب المعركة تمثل ذلك في طرد الخبراء الروس ليقنع العالم بأن مصر لن تدخل الحرب في الوقت الذي كان فيه يعد للعبور .كانت القوات المصرية تقوم بتحركات في الجبهة ثم تتراجع كانت هذه العمليات تدخل في صلب الخداع الإستراتيجي. وفي السادس من أكتوبر سنة 1973 قام سلاح الطيران المصري بهجوم على المواقع العسكرية في سناء كانت تلك ضربة مفاجأة ﻹسرائيل لأن ذلك اليوم كان عيد الغفران لدى اليهود .استطاعت الطائرات المصرية اختراق التحصينات الإسرائيلية عندما تمكنت من إسكات مواقع الرادار و كذلك بطريات الصواريخ حيث نجحت القوات البرية في عبور مانع قناة السويس الصعب تحت غطاء جوي قوي مكن الجيش المصري من القيام بمعجزة عسكرية إذ تمكن من تعطيل القوات الإسرائيلية و شل حركتها في 6 ساعات. 

  • بطل الحرب وبطل السلام

انتصر السادات في تلك الحرب بعد تقدم قواته العديد من الأميال في عمق سيناء ولولا تدخل الولايات المتحدة بالضغط سياسيا وعسكريا لتمكن الجيش المصري من الدخول إلى تل أبيب ولكن السادات استطاع أن يستثمر نصره العسكري من خلال المفاوضات وفرض الانسحاب الكامل من الأراضي المصرية . وبذلك حقق السادات نصرا لم يحققه أي قائد عربي من قبل منذ قرون عديدة .
لم يتوقف السادات عند انتصارات أكتوبر بل قادته رؤيته السياسية والاستراتيجية إلي حل نهائي لصراع مصر مع إسرائيل وهي اتفاقية كامب ديفيد التي أتمت ما بدأته الحرب لتنهي عقودا من الصراع . نال السادات على إثر ذاك جائزة نوبل للسلام وهكذا أتم الرجل حياته كأي إنسان عظيم كان بطل الحرب وبطل السلام استحق كل تقدير وفي السادس من أكتوبر سنة 1981 تمكنت أيادي الظلام من اغتيال البطل بعد رحلة طويلة وشاقة استطاع فيها السادات التغلب على كل شيء ، مسيرة مليئة بالأحداث طريق كله مصاعب ولكن العزيمة والإصرار حولت ذلك إلى نصر يتلوه نصر ونجاح يتبعه نجاح .

رحم الله الرئيس محمد أنور السادات وأسكنه فراديس جنانه .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

7 خطوات تجعلك لاعب شطرنج متفوق

كيف تكتب رواية يقرأها الملايين؟

عشر مقولات شهيرة لنابليون بونابرت